بغداد أول ديسمبر 2019 (شينخوا) وافق البرلمان العراقي اليوم (الأحد) على استقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، وحكومته تحت وطأة احتجاجات متواصلة منذ شهرين، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل الأوضاع في العراق ومصير علاقاته الخارجية، خاصة مع إيران.

وعقد مجلس النواب العراقي اليوم جلسة استثنائية برئاسة رئيس مجلس النواب العراقي ‏محمد ‏الحلبوسي، وحضور 241 نائبا، للتصويت على استقالة رئيس الوزراء ومناقشة الأحداث الأخيرة في محافظتي ذي قار والنجف جنوبي البلاد.

وخلال الجلسة وافق المجلس على قبول استقالة عبدالمهدي، وفق بيان للبرلمان والإعلام الرسمي.

ونقل البيان عن الحلبوسي قوله "إن استقالة رئيس الوزراء أصبحت نافذة"، ما يحول حكومة عبدالمهدي إلى "حكومة تصريف أعمال" لحين تشكيل حكومة جديدة.

وتابع الحلبوسي "أن رئاسة مجلس النواب ستقوم ‏بتوجيه كتاب إلى رئيس الجمهورية يتضمن الدعوة لتسمية مرشح جديد لرئاسة ‏الوزراء وفقا للمادة 76 من الدستور".

وكان البرلمان قد تسلم السبت استقالة عبدالمهدي للبت فيها، بحسب المتحدث باسم مكتبه الإعلامي سعد الحديثي.

وأعلن عبدالمهدي الجمعة أنه سيقدم استقالته من رئاسة الحكومة الحالية إلى البرلمان، وذلك بعد دعوة من المرجعية الشيعية العليا في البلاد.

وقال عبدالمهدي في بيان أول أمس "سأرفع إلى مجلس النواب الموقر الكتاب الرسمي بطلب الاستقالة من رئاسة الحكومة الحالية ليتسنى للمجلس إعادة النظر في خياراته".

وجاء إعلان عبدالمهدي بعد وقت قصير من دعوة المرجع الأعلى للشيعة في العراق علي السيستاني، البرلمان إلى "إعادة النظر في خياراته" بشأن الحكومة الحالية.

وقال السيستاني في بيان تلاه أحمد الصافي، ممثل المرجعية بمدينة كربلاء جنوب بغداد خلال خطبة الجمعة، إنّ "مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة، مدعوّ الى أن يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائه، وتفادي انزلاقه إلى دوامة العنف والفوضى والخراب".

ويشهد العراق منذ مطلع أكتوبر الماضي تظاهرات تطالب بتوفير الخدمات والقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل ومحاسبة الفاسدين وإصلاح العملية السياسية في البلاد.

ورغم سلسلة إجراءات إصلاحية اتخذتها الحكومة والبرلمان، تواصلت الاحتجاجات وارتفع سقف مطالبها إلى حد المطالبة بتغيير النظام السياسي بشكل كامل، خاصة بعد أعمال عنف أدت إلى مقتل أكثر من 330 شخصا وإصابة 15 ألفا آخرين، بحسب بيانات للمفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للبرلمان العراقي.

وفي ظل هذه الأوضاع تثير استقالة عبدالمهدي، تساؤلات عديدة بشأن مدى تأثيرها على الوضع الداخلي في العراق وأداء الحكومة المقبلة، وأيضا على شكل العلاقات الخارجية للبلد المضطرب، خاصة مع إيران.

دعم للتظاهرات

يرى محللون عراقيون أن استقالة رئيس الوزراء العراقي تعزز موقف المتظاهرين.

وقال أستاذ الإعلام بالجامعة العراقية الدكتور عبدالعزيز الجبوري، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن "الاستقالة ستعطي زخما للمتظاهرين بالاستمرار لأنها مؤشر على بداية نجاح مطالبهم".

وتوقع الجبوري أن "تشهد المرحلة المقبلة مطالبات بمحاكمة كافة رموز العملية السياسية، الذين يطالب المتظاهرون بإبعادهم عن المشهد السياسي".

وأشار في هذا السياق إلى أن تحالف "سائرون" المدعوم من الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر، طالب بمحاكمة عبدالمهدي والقادة الأمنيين.

وفي دعم واضح للمتظاهرين، أعلنت كتلة "سائرون" النيابية الأكبر في البرلمان العراقي اليوم التنازل عن حقها في ترشيح رئيس جديد للوزراء، خلفا لعبد المهدي.

وقال رئيس الكتلة نبيل الطرفي، في بيان تلاه خلال مؤتمر صحفي "بما أن تحالف سائرون هو الكتلة الأكبر بناء على انتخابات عام 2018 والمعنية بتقديم المرشح وتشكيل الحكومة (..) يعلن تنازله عن هذا الحق للمتظاهرين لأن الشعب هو الكتلة الأكبر".

وأضاف الطرفي "لذا نعلن أن مرشح الشعب هو خيارنا، وعلى رئيس الجمهورية مراعاة ذلك".

ويأتي موقف الكتلة النيابية انطلاقا من توجيهات الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، "بإنهاء المحاصصة الحزبية والطائفية"، بحسب البيان.

وكان الصدر قد اعتبر في تغريدة الجمعة أن استقالة عبدالمهدي، هي "أول ثمار الثورة وليس اخرها"، واقترح اختيار رئيس الوزراء الجديد من بين خمسة مرشحين عبر "استفتاء شعبي".

واعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين الدكتور عبدالرحمن عبدالله، "أن قرار الاستقالة أعطى دفعة معنوية للمتظاهرين".

لكنه يرى في المقابل أنها "لن تترك أثرا على العملية السياسية ومجريات الأمور في العراق لأنه (عبدالمهدي) كرئيس وزراء اتسم بضعف الأداء والتبعية للأحزاب الكبيرة (..) وانطلاقا من هذه الحقيقة فإن استقالته لن يكون لها أثر كبير على أوضاع العراق".

لكن ثمة من يرى بخلاف ذلك، ويعتبر أن استقالة عبدالمهدي "ليست نهاية المطاف" في العراق.

ليست نهاية المطاف

ويقول خبير المنتدى العربي للسياسات الإيرانية ناظم علي، إن استقالة رئيس الوزراء "قد تفتح الباب على المشكلة الأكبر، وهي تغيير النظام السياسي في العراق برمته، كون المتظاهرين يطالبون بتغيير العملية السياسية بالكامل ويعتبرون الاستقالة بداية انهيار هذه الطبقة، التي حكمت البلاد منذ عام 2003".

ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بحسب علي، الذي حذر من "أن استقالة عبدالمهدي قد تفضي إلى أزمة معقدة يصعب حلها دون أن يراق المزيد من الدماء في ظل تشبث الكتل السياسية بالسلطة".

كما حذر من "نتائج سلبية" لهذه الاستقالة، قائلا إنها "قد تفتح أبواب جهنم على العراقيين (..) في ظل وجود عشائر تمتلك ترسانة من الأسلحة وتتهم الحكومة ومليشياتها بقتل المتظاهرين بدعم إيراني واضح".

وفي رأي خبير المنتدى العربي للسياسات الإيرانية، كانت التدخلات الخارجية وبشكل خاص النفوذ الإيراني والأمريكي ومحاولة كل منهما حسم الأمور لصالحه بعيدا عن مصالح العراقيين من أبرز أسباب رحيل حكومة عبدالمهدي.

العلاقات الخارجية للعراق

ويرى علي "أن عبدالمهدي خلال السنة التي قضاها في الحكم رجح كفة العلاقات مع إيران على علاقاته مع الدول الأخرى، خلافا لما أعلنه ببرنامجه الحكومي بأنه يريد توسيع علاقات العراق الخارجية وبناء علاقات متوازنة مع جميع دول" العالم.

ولذلك يرى الدكتور عبدالعزيز الجبوري، أن هذه العلاقات الوثيقة بين بغداد وطهران، "ستتأثر" باستقالة عبدالمهدي.

وقال الجبوري "لا شك أن استقالة عبدالمهدي سوف تؤثر على طبيعة العلاقات العراقية الإيرانية لأنها (الاستقالة) جاءت بضغط شعبي يرفض سيطرة إيران على مقدرات البلاد".

وتابع أنه بناء على ذلك "فإن أي حكومة جديدة سوف تضطر لأن تعمل للحد من النفوذ الأجنبي، وخاصة الإيراني في البلاد".

واعتبر الجبوري أن على الحكومة الجديدة العمل على تحسين وتطوير علاقاتها مع جميع الدول، التي لا تتدخل بالشؤون العراقية الداخلية وتحترم السيادة العراقية.

لكنه استدرك قائلا "مما لاشك فيه أن النفوذ الإيراني والأمريكي واضح في العراق لذلك سيبقى لهما دور في تشكيل الحكومة، لكنه سيكون أقل عما كان في السابق".