بكين 15 إبريل 2021 (شينخوا) في الآونة الأخيرة، أصبح التعاون الرقمي بين الصين والدول العربية موضوعا ساخنا جذب أنظار المراقبين بعد توقيع وإصدار "مبادرة التعاون بين الصين وجامعة الدول العربية بشأن أمن البيانات". وفي رأي الخبراء، فإن المبادرة تقدم نموذجا يحتذى به لتعزيز الحوكمة الرقمية العالمية في ظل التطور الهائل للثورة التكنولوجية والمعلوماتية، وستعزز تعاون الجانبين في مجال الاقتصاد الرقمي.

-- نموذج لدفع الحوكمة الرقمية العالمية

في سبتمبر عام 2020، أطلقت الصين "مبادرة أمن البيانات العالمية" التي قدمت حلا صينيا لوضع القواعد للحوكمة الرقمية العالمية، من أجل بناء فضاء سيبراني سلمي وآمن ومنفتح وتعاوني ودفع التنمية الصحية للاقتصاد الرقمي، الأمر الذي لاقى تقديرا إيجابيا واسع النطاق من قبل المجتمع الدولي. وعلى أساس هذه المبادرة، أصدرت الصين والدول العربية ككل في أواخر مارس الماضي "مبادرة التعاون بين الصين وجامعة الدول العربية بشأن أمن البيانات".

ودعا الجانبان في المبادرة دول العالم إلى النظر إلى مسألة أمن البيانات بنظرة شاملة وموضوعية تستند إلى الحقائق، والعمل على ضمان الإمداد الآمن والمنفتح والمستقر للمنتجات والخدمات الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العالم، وحثا على رفض تخريب أو سرقة البيانات المهمة للبنية التحتية الحيوية للدول الأخرى باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ورفض الأنشطة التي تمس الأمن القومي والمصالح الاجتماعية العامة للدول الأخرى باستخدام تلك التكنولوجيا.

كما تضمنت المبادرة معلومات كثيرة أخرى بشأن احترام السيادة والولاية القضائية وصلاحية إدارة البيانات للدول الأخرى.

وتعليقا على المبادرة، ذكرت متحدثة باسم الخارجية الصينية أن اصدار هذه المبادرة لا يعد تجسيدا حيا للمصير المشترك بين الصين والدول العربية فحسب، بل يعكس أيضا المستوى العالي للتعاون الاستراتيجي الصيني-العربي، مشيرة إلى أن المبادرة ضخت حكمة وقوة الدول النامية في تعزيز الحوكمة الرقمية العالمية، وقدمت مساهمة في بناء مجتمع ذي مصير مشترك في الفضاء السيبراني في العالم.

وفي هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي المصري الدكتور كريم العمدة إن الصين تسعى لوضع معايير عامة عالمية للشفافية وترسيخ قواعد الحفاظ على أمن المعلومات من خلال المبادرة التي أطلقتها في سبتمبر الماضي وتوقيعها لمبادرات التعاون بشأن أمن البيانات مع الكثير من المناطق في العالم.

وأكد العمدة، وهو محاضر بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، لـ((شينخوا))، أن قواعد أمن البيانات التي تحرص الصين على وضعها سترسخ الحوكمة الرقمية وتنشط الاقتصاد الرقمي في العالم، كما ستعزز الثقة في التعاون الدولي في هذا المجال.

ومن جانبه، قال ما شياو لين، البروفيسور بجامعة تشجيانغ الصينية للدراسات الدولية ومدير معهد دراسات حوض البحر الأبيض المتوسط، إن الحوكمة الرقمية هي جزء هام من الحوكمة العالمية ويجب دفع التطور والتعاون الرقمي وتبادل البيانات بما يتماشى مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة مع احترام سيادة الدول المختلفة.

وأكد ما اعتقاده بأن توقيع "مبادرة التعاون بين الصين وجامعة الدول العربية بشأن أمن البيانات" يحمل أهمية كبيرة بالنسبة للحوكمة الرقمية العالمية، ويقدم نموذجا جيدا لدفع حوكمة العالم في العصر الرقمي.

-- امكانيات كبيرة للتعاون الصيني-العربي في الاقتصاد الرقمي

وفضلا عن دفع الحوكمة الرقمية العالمية، فمن شأن المبادرة أن تثري التعاون الصيني-العربي في مجال الاقتصاد الرقمي. وفي السنوات الأخيرة، حقق التعاون الرقمي المتعمق بين الصين والدول العربية نتائج مثمرة على مستويات مختلفة.

على المستوى الحكومي، أطلقت الصين ومصر والسعودية والإمارات وغيرها "مبادرة التعاون الدولي للاقتصاد الرقمي في إطار الحزام والطريق" في عام 2017. وفي يوليو عام 2020، دعا الاجتماع الوزاري التاسع لمنتدى التعاون الصيني-العربي في قراره إلى تعزيز التعاون والاستفادة المتبادلة بين الجانبين في مجال الإنترنت وتنمية الاقتصاد الرقمي.

وعلى صعيد التعاون الفضائي بشأن نظام بيدو، وقعت الصين مع كل من السعودية والمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات والأكاديمية العربية لتكنولوجيا العلوم والنقل البحري في يناير 2016 على مذكرات تعاون بشأن نظام بيدو، لتتأسس بذلك آلية التعاون الرسمية. ومنذ ذلك الحين، توسع التعاون الصيني-العربي حول نظام بيدو بشكل سلس ومستمر.

وعلى مستوى الأعمال، دأبت الشركات الصينية المتخصصة في مجال الاقتصاد الرقمي على توسيع أعمالها في الدول العربية. على سبيل المثال، تلعب شركة (هواوي) الصينية العملاقة للاتصالات دورا كبيرا في دفع تطور صناعة الاتصالات في العديد من الدول العربية، كما وقعت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي ومجموعة (علي بابا) و(هواوي) وشركات أخرى اتفاقيات تعاون تغطي بناء المدن الذكية، وتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي باللغة العربية في أكتوبر الماضي.

وفي هذا الصدد، قال ما شياو لين إن الصين قد أصبحت دولة كبيرة للانترنت والاقتصاد الرقمي، بينما تتخلف بعض الدول العربية في الاقتصاد الرقمي بسبب التنمية غير المتوازنة للمنطقة، وتوجد فجوة رقمية بين الطرفين بشكل عام. وأشار ما إلى أن التعاون الصيني-العربي في الاقتصاد الرقمي ما زال في مرحلته المبكرة مقارنة بالتبادلات الاقتصادية والتجارية التقليدية بين الطرفين، وهناك امكانية كبيرة لدفع التعاون بين الجانبين في هذا المجال.

ومن جانبه، ذكر عبد العزيز الشعباني، وهو صحفي سعودي وخبير في الشؤون الصينية، أن التعاون الصيني-العربي وخصوصا الصيني- السعودي في مجال الاقتصاد الرقمي سيكون له شأن كبير في المستقبل، خصوصا أن السعودية تتجه لتسريع نمو الرقمنة الاقتصادية، وتبني التقنيات وريادة الأعمال الرقمية، بينما تحتل الصين مكانة رائدة في هذا المجال.

وقال الشعباني إن "مبادرة التعاون بين الصين وجامعة الدول العربية بشأن أمن البيانات" من شأنها أن تثري هذا الجانب التعاوني بين الصين والسعودية، متوقعا أن يصبح هذا التعاون نموذجا عالميا يحتذى به في مجال الاقتصاد الرقمي. /نهاية الخبر/