غزة 14 مايو 2018 (شينخوا) ينذر مضي الولايات المتحدة الأمريكية في خطوتها المثيرة للجدل بنقل سفارتها لدى إسرائيل من تل أبيب الى القدس، بمزيد من العنف وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وفق ما يجمع عليه العديد من المراقبين الفلسطينيين.

وتمت عملية تدشين السفارة رسميا في احتفال كبير اليوم (الاثنين) بناء على إعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب المدينة عاصمة لإسرائيل في السادس من ديسمبر العام الماضي.

وحضر الاحتفال 800 شخص بينهم وفد كبير من الكونجرس الأمريكي لتدشين السفارة في مقرها المؤقت في القنصلية الأمريكية سابقا بانتظار تشييد المبنى الجديد.

وقال ترامب في كلمة عبر الفيديو كونفرنس للمحتفلين "أملنا الأكبر هو للسلام" رغم أن خطوته تسببت بإغضاب الفلسطينيين والمسلمين في أنحاء العالم.

وبحسب ترامب، فإن واشنطن "تبقى ملتزمة بشدة بتسهيل اتفاق سلام دائم"، فيما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ان ترامب "دخل التاريخ" باعترافه أن القدس عاصمة اسرائيل، مؤكدا "نحن في القدس ونحن هنا لنبقى".

وقوبلت الخطوة الأمريكية بشأن القدس برفض فلسطيني وعربي وإسلامي واعتراض دولي واسع النطاق.

وندد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بتدشين الولايات المتحدة سفارتها في مدينة القدس معتبرا إياها "ليست سفارة إنما بؤرة استيطانية أمريكية في القدس الشرقية".

وأضاف عباس، "تفتتح السفارة ويقولون انها في أرض الآباء والأجداد، لكن هذا تزوير للتاريخ لأن الأرض الفلسطينية هي أرض الكنعانيين وأجدادنا منذ ما قبل سيدنا ابراهيم ونحن موجودون في هذه الأرض بشكل مستمر".

وأكد عباس أن "أمريكا بعملها استبعدت نفسها عن الوساطة في عملية السلام والجانب الفلسطيني لن يقبل إلا وساطة دولية تأتي من خلال مؤتمر دولي بعدد من دول العالم وليست بدولة واحدة على الإطلاق".

ورأى مراقبون فلسطينيون في الخطوة الأمريكية "شرارة لتصعيد ميداني بين الفلسطينيين وإسرائيل تزيد تعقيد أفق استئناف مفاوضات السلام بينهما في المستقبل القريب".

وتعتبر مدينة القدس واحدة من قضايا الوضع النهائي للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل والمتوقفة منذ عام 2014 بعد تسعة أشهر من المحادثات برعاية أمريكية من دون تحقيق تقدم لحل الصراع الممتد بين الجانبين منذ عدة عقود.

واعتبر مدير مركز (مسارات) للأبحاث والدراسات في رام الله هاني المصري، ان نقل واشنطن لسفارتها إلى القدس بعد الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل "يفتح الطريق لفرض الحل الإسرائيلي بالقوة وبدعم أمريكي على الفلسطينيين".

وقال المصري لوكالة أنباء ((شينخوا)) "إن الاعتراف بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل أسوأ من نقل السفارة إليها، فنقلها مجرد مسألة تقنية، أما الاعتراف فيشرعن الاحتلال والاستيطان وضم مساحات من الضفة الغربية إلى إسرائيل ويفتح الطريق لضمها كاملة ما يعني دفن حل الدولتين".

وأضاف هذا الأمر "يظهر أن الإدارة الأمريكية لم تعد تلتزم بالمواقف الأمريكية التقليدية إزاء الحل والانسحاب إلى حدود عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والموقف من الاستيطان الذي لم تعد تعتبره غير قانوني مثل سابقاتها".

ورأى المصري أن إدارة ترامب "تبنت الرواية الإسرائيلية كاملة حول أصل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومراحله وتطوراته، وهي بذلك تنتقل من موقع الانحياز الأمريكي التاريخي لإسرائيل إلى موقع الشريك الكامل لها في احتلالها".

ونبه إلى أن إدارة ترامب "تبنت بمواقفها المقاربة الإسرائيلية المطروحة في السنوات الأخيرة التي عنوانها تفضيل الحل الإقليمي مع العرب، وإعطائه الأولوية على الحل مع الفلسطينيين ليكونوا مرغمين على قبوله، أو مواجهة العزلة الشاملة".

ووفقا للمصري، فان الخطوة الأمريكية "من المتوقع أن تنقل الفلسطينيين على كافة المستويات الشعبية والفصائلية والرسمية إلى مرحلة صراع مفتوح مع الاحتلال ومن شأنها أن تدفع بالتوتر إلى المنطقة".

ويأتي الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بالتزامن مع احتفال إسرائيل بالذكرى السنوية السبعين لقيامها وهو ما يطلق عليه الفلسطينيون ذكرى يوم النكبة الفلسطينية.

والخطوة تأتي كذلك في ظل تحضيرات إدارة ترامب لطرح خطة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والمعروفة إعلاميا باسم "صفقة القرن" والتي أعلن الفلسطينيون رفضها مسبقا.

واعتبر المحلل السياسي من رام الله خليل شاهين أن نقل السفارة الأمريكية "يمثل استفزازا هائلا للعرب والمسلمين، وهي خطوة تعني عمليا أننا نشهد بدء تنفيذ خطوات معلنة لتنفيذ خطة سياسية لا تزال غير معلنة عنوانها صفقة القرن".

وقال شاهين لـ ((شينخوا))، إن "الإدارة الأمريكية تجسد بقراراتها شراكة أمريكية إسرائيلية كاملة في محاولة لتصفية أبرز الحقوق الوطنية للفلسطينيين سواء المتعلقة بالقدس أو ملف اللاجئين".

واضاف أن "الاحتفالات المقررة بنقل السفارة الأمريكية تمثل إصرارا على الوصول إلى أقصى درجات الاستفزاز لكل العرب والمسلمين وكل من يؤمن بمكانة القدس كمكان مقدس لكل الأديان وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتوتر غير مسبوق في المنطقة".

ولا يستبعد شاهين أي سيناريو لتصعيد ميداني يمتد من قطاع غزة إلى الضفة الغربية فضلا عن تداعيات "الاستفزاز الهائل" لمشاعر الشعوب في الدول الإسلامية بسبب الخطوة الأمريكية.

وتوقع "تصعيدا في المقاومة الشعبية وتحويلها إلى ثقافة يومية لدى الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل وبدء حراك يقوم على أن جوهر المشكلة هي مع إسرائيل باعتبارها الخصم الذي يقوم بسلب الحقوق الفلسطينية".

وكان الفلسطينيون طالبوا ردا على قرار ترامب بشأن القدس بآلية دولية لرعاية عملية السلام مع إسرائيل بديلا عن الاحتكار الأمريكي الذي استمر لأكثر من عقدين من دون أن يوصلهم إلى حلول.

وقال الكاتب والمحلل السياسي من رام الله حمادة الفراعنة ، إن سياسات واشنطن في الشرق الأوسط "فاشلة" والولايات المتحدة تواجه كثيرا من المشاكل والتحديات في المنطقة خاصة على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ورأى فراعنة لـ ((شينخوا))، أن واشنطن في عهد ترامب "تعمل بالتنسيق مع إسرائيل لتمرير صفقة القرن وفق المصالح الإسرائيلية فقط وهو أمر يرفضه الفلسطينيون ومن المتوقع أن يجابه برد فعل أقوى على المستويين الشعبي والميداني ".

ولفت الى أن "ثلاثة أطراف دولية أعلنت رفضها لقرار ترامب أولها الأمم المتحدة وثانيها الاتحاد الأوروبي فيما الطرف الثالث كل من روسيا والصين وهو ما يشكل رافعة قوية للموقف الفلسطيني".

وتابع "من المتوقع تصاعد موجات الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية في ظل تفاهمات بين الفصائل على ضرورة التصدي للخطوة الأمريكية بشأن القدس بكل الطرق الممكنة وهو ما يجعل من واشنطن جزءا من المشكلة وليس من الحل في المنطقة".